الاردن في مرحلة ما بعد الاستقطاب الشرق اردني – الفلسطيني


بقلم جواد عباسي/مدونة ركن الحرية

لاؤلئك المجمدين في الماضي والمتصنمين حول ديناميكية استقطاب الاردنيين ما بين شرق اردني وفلسطيني لا بد ان يعوا ان معظم الاردن والاردنيين قد تجاوزوا هذا الاستقطاب الذي بات يظهر فقط عندما يستجلبه من يهمه تغيير النقاش من مطلب الاصلاحات والشفافية والمساءلة الى نقاش وحديث الاصول والمنابت لخلق الاستقطاب الشعبي الذي طالما استظل به الفساد  - و لا زال يستظل.

فنحن نرى في الاردن المهازل الجديدة: كل من تحيط تسأؤلات الفساد حوله يبدأ –هو ومن غمسوا معه – بالقول انا مستقصد لاني فلسطيني شمالات جنوبي بدوي شامي شركسي مسيحي.

في مراحل ماضية ولاسباب موضوعية وتاريخية ليس هذا مجال بحثها كان الاستقطاب واضحا جليا. وكانت هبة نيسان 1989 حين تركزت المظاهرات في جنوب الاردن وبقيت المخيمات الفلسطينية ساكنة دليلا واضحا على الاستقطاب. فكان المحرك لهبة نيسان الاوضاع المعيشية والاقتصادية في الاردن انذاك وكان الاستقطاب الشرق اردني الفلسطيني واضحا بعزوف الفلسطينيين عن المشاركة في الاحتجاجات على الاحوال الاقتصادية ورفع الدعم.

لاحقا وفي نفس السنة –وتأثرا بالانتفاضة الفلسطينية في الاراضي المحتلة- قامت مظاهرات كبيرة في الاردن تركزت في المخيمات والتجمعات السكانية ذات الثقل الفلسطيني مثل الزرقاء وكانت مظاهرات سياسية تماما اساسها الاصرار على الهوية الفلسطينية ورفض المناخ السياسي الذي ساد منذ 1970 بمنع التعبير الحر عن الهوية الفلسطينية للاردنيين من اصل فلسطيني. انذاك كانت المظاهرات تعبر عن دعم لمنظمة التحرير الفلسطينية والاتنفاضة وبشعارات معادية للنظام الاردني. وهدأت المخيمات بعد عدة ايام باوامر واضحة من الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات انسجاما مع سياسة المنظمة في الثمانينات في رفض طروحات الوطن البديل عند اليمين الصهيوني وبالتالي التركيز على الانتفاضة في فلسطين وعدم زعزعة امن الاردن.

اذن في 1989 كان الاستقطاب الشرق اردني الفلسطيني واضحا ولكن ما الذي تغير عبر السنوات الاثنتين والعشرين الماضيات لكي نجزم ان الاستقطاب قد انحسر الا عند استجلابه من قبل اصحاب اجندات الفساد؟

اولا: اوسلو واستلام منظمة التحرير للسلطة الفلسطينية في الضفة وغزة. السنوات الضائعة منذ اوسلو والفشل والفساد في السلطة الفلسطينية بيّن للكثيرين (وخصوصا عند الاردنيين من اصل فلسطيني) ان منظمة التحرير الفلسطينية هي نظام عربي اخر فسادا واتوقراطية. وعليه سقطت الهالة الثورية التي كانت تحيط  بالمنظمة كمخلص للشعب الفلسطيني وازدادت الواقعية السياسية عند الفلسطينيين الاردنيين.

ثانيا:  الانفتاح السياسي المحدود في الاردن منذ عام 1989 سمح بحرية التحرك نسبيا لتيارات سياسية جامعة للشرق الاردنيين والفلسطينيين في الاردن وذات توجهات ليبرالية او اسلامية او قومية والفرق ان هذه التيارات باتت تعمل في العلن بعد ان كانت في تعمل في الخفاء.

ثالثا: زلزال احتلال العراق للكويت والحرب على العراق اعاد تأكيد نعمة الاستقرار الذي يعيشه الاردن واهمية هذا الاستقرار للمصالح الاقتصادية والاجتماعية للشرق اردنيين والفلسطينين على حد سواء.

حالنا الان:

في الاردن طبقة مهمشة فقيرة لا تدقع الضرائب لانها لا تحصل على دخول عالية ولا تقوى على الاستهلاك العالي. هي طبقة مضغوطة اقتصاديا وتعاني من تراجع خدمات التعليم والصحة الحكومية. لا تقوى على المدارس الخاصة. وهذه الطبقة هي من شتى الاصول والمنابت.

وهناك طبقة متعلمة مرتاحة نسبيا دافعة لجل الضرائب المحصلة (من ضريبة دخل وجمارك وضريبة مبيعات ورسوم وغيرها). طبقة متوسطة وغنية اصحاب مهن حرة وشركات او ملاّكين. وهي ايضا من من شتى الاصول والمنابت. اكبر خطيئة لهذه الطبقة هي التهرب ما امكن من ضرائب يعتقدون انها لا تذهب لمستحقيها (كالتعليم والصحة) بل تذهب لتمويل المنافع. وشتان ما بين التهرب من الضريبة وما بين سرقة اموال دافعي الضرائب.

ثم هناك من لا يدفعون الضرائب ولا الرسوم. يحصلون على الامتيازات والمنافع من تقاعد مبكر ومياه ببلاش لمزراعهم واراضيهم. سياراتهم بلا جمارك. واعمالهم معفاة من الضرائب. طبقة تفصل البلد بالمقاس على قياسها فيها يرتع الفاسدون. وهي ايضا من من شتى الاصول والمنابت.

الامل كبير في هذا الفجر العربي البازغ ان تتشكل قيادات راي واعية مستنيرة  تقود الطبقة المهمشة والطبقة الدافعة للضرائب الى الضغط السلمي الكبير نحو الاصلاح الديموقراطي الحقيقي في الاردن بدلا من ان تكون هذه الطبقة المهمشة ملعبا ومطية لكل مفسد اراد صرف النظر عن الفساد بحديث : اردني  فلسطيني.

مقالات ذات علاقة:

اسطورة قلة الشرق اردنيين: قراءة في اسبابها ودوافعها

رفض التوطين في الاردن: خلط للمفاهيم واعتداء على الدستور




  • abuown

    كلام سليم ويجب ان يتوقف التقسيم الطولي للمجتمع والذي يزيد الفاسدين من شتى المنابت والاصول غنى ويزيد الفقراء من شتى المنابت والاصول ايضا يزيدهم فقرا

  • Rafat

    سؤالي هل كان كان استقطاب شرق أردني فلسطيني قبل أحداث السبعينات؟؟ سأجيب أنا وأقول بكل وضوح لا, كان هناك تعايش واندماج الى ابعد الحدود .. مالذي حدث إذن؟ ما هو الثابت وما هو المتغير سياسياً؟؟ ظهرت التنظيمات الفلسطينية .. وانشأت هوية سياسية لفلسطين وهذا حق .. لكنها اظهرتها وكأنها مناقضة أو متعارضة مع هوية الشرق أردني .. وفي ظل تغير الاستراتيجيات لدى المنظمة وتحويل السلاح الى داخل الشرق الأردني .. بإيعاز ودعم مصر عبدالناصر وقوى عربية وعالمية ثورية . ظهر هذا الأستقطاب واضحاً.
    إذن وبكل بساطة نحن ضحية ضيق أفق منظمة التحرير الفسلطينية منذ البدايات

    الأن اين نحن .. هذا الاستقطاب أصبح يغذيه اصحاب اجندات مسيئة لشرق اردنيين والفلسطينين معاً ومن كلا الطرفين .. ما يجمعهم هو الفساد وحب المصالح والوصولية والتواطىء حد العمالة

  • Lina Waheeb

    أحسنت. الموضوع بالغ الأهمية وقد قاربته بموضوعية