تحرير فلسطين مدنيا*: من سفن الحرية إلى قلاعها


صورة لفلم عن تجربة مايك رينولدس، مؤسس سفن الأرض، والتي يسميها هذا المقال قلاع الحرية ويدعو لنشرها في أنحاء فلسطين

بقلم بشار حميض/ باحث في مجال المقاومة المدنية والطاقة

يبدو أن سياسيي إسرائيل أضحو كمن أصابهم المس، فكلما اشتدت حملة المقاومة المدنية ضد عنصرية إسرائيل واحتلالها، اتجهت سياساتهم إلى مزيد من التخبط. آخر ذلك قيام إسرائيل بحملة للضغط على شركات الطيران والدول الأوروبية لمنع سفر متضامنين دوليين إليها، ثم قيامها بتعذيب ناشطين دوليين تمكنوا من الوصول ضمن حملة “مرحبا فلسطين” وذلك بوضع 32 منهم في زنزانة واحدة وتقييدهم ببعض، ثم الاعتداء عليهم وجرهم من سيارة نقل إلى أخرى، تمهيدا لإبعادهم.

إسرائيل لن تستطيع أن تدخل قلب كل سائح ومسافر إليها لمعرفة إن كان متضامنا أو زائرا عاديا، وبإجراءاتها هذه ستساهم في تشويه سمعتها الدولية وتعيق حركة السياحة والأعمال لديها. كل ذلك بالطبع هو في صالح الحملة ويقوي موقفها عالميا، وهذا هو ما نشهده الآن من تضامن شعبي عالمي كبير مع فلسطين في أغلب عواصم العالم، والمتوقع هو أن يتزايد هذا الدعم أكثر في المستقبل القريب.

إن باب المقاومة المدنية ضد الصهيونية قد فتح ولن تستطيع أي قوة إغلاقه، فأشكال المقاومة المدنية غير محدودة ولن تفلح معها إجراءات إسرائيل القمعية أو نفوذها العالمي، فـ”عندما يقرر العبد أن لا يبقى عبدا فإن قيوده تسقط” (غاندي). لكن الجهود العالمية للتضامن مع الشعب الفلسطيني يجب أن تترافق مع حراك شعبي مدني قوي في كل أنحاء فلسطين. ويجب فهم المقاومة المدنية على أنها برنامج طويل الأمد يتضمن تغييرا في أسلوب الحياة يعتمد على جعل المجتمع الفلسطيني بكامل أعضائه طرفا في المقاومة ولا يستثنى من ذلك رجل ولا إمرأة، صغير ولا كبير. فالمقاومة تدخل في أمور الحياة كلها من قرار شراء المواد الاستهلاكية حتى طريقة بناء المنزل وإصلاحه.

قلاع الحرية: الوسيلة الأمضى في المقاومة المدنية
أحد أهم عناصر الاقتصاد هو البناء وتخطيط المدن، فالمدينة غير المخططة بشكل جيد وذات المنازل التي لا تراعى فيها موصفات توفير الطاقة والمياه، هي مدن غير مستدامة ويزيد فيها استهلاك الوقود وتشح فيها المياه وتسوء نوعية الحياة والمواصلات. إن طريقة البناء الحالية في فلسطين غير مناسبة للاقتصاد الفلسطيني وللتحديات التي تواجهه. ومن أهم هذه التحديات الاعتماد على إسرائيل في توريد مواد البناء وكذلك عدم الاعتماد بشكل كاف على الطاقة البديلة اللازمة لتسخين المياه وتدفئة المنازل، كما أن المنازل بشكلها الحالي غير مهيأة لتوفير المياه التي أصبحت عنصرا أساسيا في استمرار الوجود الفلسطيني على الأرض، مع قيام الاحتلال بالاستحواذ على مصادر المياه .

لقد استطاع العاملون في مجال البيئة بناء قرى بأكملها مكتفية بذاتها ولا تحتاج سوى مياه المطر والرياح والشمس ولا تعبأ بحصار أو قطع للتيار الكهربائي أو الوقود. وتقوم بهذا الجهد منذ عقود منظمات أهلية عديدة تعمل في عدة قارات، إحداها تعمل تحت مظلة مشروع يسمى “سفينة الأرض” (EarthShip). وقد تحول جزء من هذه المنازل -التي بنيت باستخدام عجلات السيارات القديمة وغيرها من المخلفات – إلى فنادق تجتذب الزوار وتحقق دخلا ماديا لأصحابها، فضلا عن تحقيق أهم عنصر في الحياة البشرية: الحرية.

المطلوب هو البدء في بناء هذا النوع من المنازل في كل أنحاء فلسطين وذلك لأنها لا تحتاج إلا إلى نسبة قليلة من الإسمنت والحديد ومواد البناء المستخدمة في طرق البناء التقليدي، والتي يتم التحكم بدخولها من قبل الاحتلال. كما أن هذه المنازل ستعزز الاستقلال في مجال الطاقة والمياه عن الاحتلال. فالهدف هو أن يصبح كل حي وقرية ومدينة قلعة من قلاع الحرية التي تؤخذ حريتها وتمارسها على الأرض ولايهبها لها أحد.

من مجتمع الاستهلاك إلى مجتمع الإنتاج

إن هناك خطرا وجوديا يتهدد مجتمعنا في فلسطين إذا بقينا سائرين في ثقافة الاستهلاك على حساب ثقافة الانتاج والاكتفاء الذاتي. وبحسب تصريحات النائب الدكتور مصطفى البرغوثي الامين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية فإن السوق الفلسطينية أصبحت ثاني اكبر سوق مستورد للبضائع الاسرائيلية البالغة قيمتها ثلاثة مليارات دولار سنويا، وان تخفيض نسبة الاستيراد من اسرائيل بنسبة خمسة بالمئة مقابل زيادة الانتاج المحلي بنسبة 5% سيوفر مئة الف فرصة عمل جديدة لابناء الشعب الفلسطيني. لذا فإن أحد أهم وسائل المقاومة الفلسطينية يكمن في تعزيز قدرة الفلسطينيين على المقاومة والاستقلال الاقتصادييين. ومن المتوقع أن يصبح الوقود والماء عنصرين نادرين في السنوات والعقود القادمة نظرا لشح المياه والنفط. ومن الممكن أن إسرائيل ستستخدم ذلك أيضا كمبرر لتكريس سيطرتها على مصادر المياه والطاقة ومنعها عن المناطق التي يسكنها الفلسطينييون. لذا يجب على المجتمع الفلسطيني أن يجهز نفسه لهذه المرحلة، وهنا يكتسب تطوير وسائل تقنية بديلة تنمي قدرة الشعب الفلسطيني على الاكتفاء الذاتي وجعل ذلك عنصرا أساسيا في المقاومة المدنية أهمية استراتيجية لوجود الشعب الفلسطيني على أرضه، وهذا هو ما نسميه قلاع الحرية، أي تأسيس قرى ومدن مكتفية بذاتها وقادرة على المقاومة. إن قلاع الحرية نموذج قابل للتطبيق الآن وفي كل بقعة من فلسطين. وفي حال بدأت مجموعة من القلاع بالارتباط مع بعضها فإنها ستبدأ بالنمو العضوي مع بعضها لتشكل بذلك الورم الحميد الذي سيقضي على سرطان الاستيطان الصهيوني وينهي بذلك الكيان العنصري الذي أقامته الصهيونية، ويتشكل النموذج الفلسطيني التعددي البديل.

———————————————-

* هذه سلسلة مقالات منبثقة عن بحث حول استراتيجية للمقاومة المدنية لتحرير الإنسان على كامل أرض فلسطين. ستعالج المقالات بالترتيب المواضيع التالية: ماهية المقاومة المدنية وفلسفتها، العسكرة والمقاومة المدنية في التاريخ الفلسطيني، هل حان وقت المقاومة المدنية؟ فعالية المقاومة المدنية، أسس المقاومة المدنية في فلسطين، تمكين المقاومة بالثورة الخضراء والمدن والقرى المستقلة ذاتيا من حيث الطاقة والمياه والغذاء.

تُنشر هذه السلسلة هنا بالتنسيق والتعاون مع موقع “قديتا

المقالات السابقة في السلسلة هنا.