مقابلة الملك في الإعلام المحلي: تضخيم الإطار الإعلامي وتهميش المضمون

Sawaleef-1

رصد سوسن زايدة

لم تُخف وسائل الإعلام المحلية مواقفها المختلفة من مضمون مقابلة الملك مع مجلة “ذي أتلانتك” الأمريكية، وعبّرت عنها، بشكل غير مباشر، من خلال التركيز على السياق الإعلامي الذي نشرت فيه المقابلة وتجنب نقل أو تحليل ما ورد فيها من مواقف الملك تجاه قضايا كبرى، محلياً وإقليمياً.

التباين في تناول المقابلة اقتصر على التشكيك أو عدم التشكيك في مصداقية ومهنية الصحفي جيفري غولدبيرغ الذي أجرى المقابلة مع الملك، ونشر أو عدم نشر المقال الخاص بالمقابلة. لكن أيا من وسائل الإعلام لم تتابع أو تحلل مضمون المقابلة وما جاء على لسان الملك.

الصحف اليومية الأربعة: الرأي، الدستور، الغد والعرب اليوم، وحدت موقفها من المقابلة بامتناعها عن نشر ترجمة المقابلة أو متابعتها والتعليق عليها في أعمدة الرأي، باستثناء الافتتاحيات التي انطلقت من نظرية المؤامرة واعتبرت أن المقال جزء من “حملة تستهدف الأردن”.

صحيفة الرأي ردت على مقال “ذي أتلانتك” في افتتاحيتها “رأينا” بعنوان “جزء من الحقيقة كثير من التزييف لا تهز النموذج الأردني“، من دون الإشارة إلى المقال ومن دون نشره مسبقا. فمن يقرأ الافتتاحية من جمهور “الرأي” لن يفهم من المقصود بـ”المنابر واسعة الانتشار…التي يستخدم فيه جزء من الحقيقة وكثير من التزييف في توقيت معين، والزيادة على ذلك بالتحليل والرأي الذي يوظف لخدمة أجندات محددة تتعلق بالشأن الاقليمي ومحاولة معاقبة الاردن كله على مواقفه…”.

وانهمكت صحيفة الدستور في افتتاحيتها “رأي الدستور مغالطـات يكذبهـا الواقـع” بتعداد “المنجزات الكبيرة والمهمة التي حققتها مسيرة الاصلاح المباركة، بهمة وقيادة جلالة الملك”، في حين اعتبرت أن “التوصيفات التي لجأ اليها كاتب هذا المقال (غولدبيرغ) قد تم اسقاطها بطريقة منافية للحقيقة والواقع، وهو بالتأكيد لا يعلم مكونات المجتمع الاردني ومنظومة القيم والاخلاق التي يحرص عليها…”.

فهد الخيطان في مقاله بالغد، بعنوان “حديث الملك..عاصفة من الجدل“، يتحدث في النصف الأول من مقاله عن أسلوب الكاتب، ويقول أن “ﻏﻮﻟﺪﺑﯿﺮغ ﻟﻢ ﻳﺠﺮ ﻣﻘﺎﺑﻠﺔ ﺻﺤﻔﯿﺔ ﻣﻊ اﻟﻤﻠﻚ، وإﻧﻤﺎ ﺳﺠّﻞ ﺳﺎﻋﺎت طﻮﻳﻠﺔ ﻣﻦ اﻷﺣﺎدﻳﺚ اﻟﺠﺎﻧﺒﯿﺔ، ﺛﻢ ﻧﺸﺮھﺎ ﻋﻠﻰ ﺷﻜﻞ ﻗﺼﺔ إﺧﺒﺎرﻳﺔ طﻮﻳﻠﺔ”. ثم يصف السياق السياسي للمقابلة بأنها سبقت “ﺗﺤﻮﻻت شهدتها اﻟﺒﻼد ﻣﺆﺧﺮاً، ﻣﺜﻞ اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﺎت اﻟﻨﯿﺎﺑﯿﺔ…”. ويتنبأ بأن المقابلة ستثير “ﻋﺎﺻﻔﺔ ﻣﻦ اﻟﻨﻘﺎش واﻟﺠﺪل ﻓﻲ اﻟﺒﻼد ﺧﻼل اﻟﻔﺘﺮة اﻟﻤﻘﺒﻠﺔ…”.

ويختم الخيطان بدعوة الديوان الملكي إلى ممارسة رقابة مسبقة على الصحفيين الأجانب، “ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺺ النهائي ﻛﻤﺎ ﻳﺤﺼﻞ ﻓﻲ اﻟﻌﺎدة ﻣﻊ رؤﺳﺎء اﻟﺪول”، من دون أن يعلق على مضمون المقابلة سوى في فقرة وحيدة يقول فيها: “ﺑﺎﻟﻌﻮدة إﻟﻰ ﻣﻀﻤﻮن اﻟﺘﺼﺮﻳﺤﺎت –إذا اﻋﺘﺒﺮﻧﺎھﺎ ﻛﺬﻟﻚ- ﻓﺈﻧها ﺑﺎﻟﻤﺠﻤﻞ ﻣﺜﯿﺮة، ورﺑﻤﺎ ﺗﻜﻮن ﺻﺎدﻣﺔ؛ ﻣﺎ ﻳﻐﻀﺐ ھﺬا اﻟﻄﺮف ﻣﻨﮫﺎ ﻳﻠﻘﻰ إﻋﺠﺎب اﻟﻄﺮف اﻵﺧﺮ…”.

بالإضافة إلى “الافتتاحيات”، نشرت الصحف اليومية تصريحات الديوان الملكي، مع الالتزام بنفس العنوان كما جاء في وكالة الأنباء الرسمية “بترا”: “مقال “ذي أتلانتك” أخرج الأمور من سياقها الصحيح“. وتمايزت الدستور، كعادتها، بملكية أكثر من الملك، فنشرت تصريحات الديوان تحت عنوان “الملك يعتز بالأردنيـين جميعاً“.

والتزمت الصحف اليومية والمواقع الإخبارية الالكترونية بعنوان ونص تصريحات الديوان الملكي حرفيا كما نشرته وكالة الأنباء الرسمية، بالرغم من أنها لم تكن بياناً رسمياً صادراً عن الديوان وإنما تصريحات لـ”مصدر مطلع في الديوان الملكي الهاشمي”، غير معرف، قال فيها أن “المقال الذي نشرته مجلة (ذي أتلانتك) الأميركية، حول جلالة الملك عبدالله الثاني، وقامت بعض وسائل الإعلام الدولية والعربية والمحلية بتداوله أمس الثلاثاء، قد احتوى العديد من المغالطات، حيث تم إخراج الأمور من سياقها الصحيح”… و”أن المقال قد احتوى تحليلات عكست وجهة نظر الكاتب، ومعلومات نسبها إلى جلالته بشكل غير دقيق وغير أمين”.

واكتفت وسائل الإعلام بنشر هذه التصريحات من دون الإشارة إلى تناقضها مع ما قاله “مسؤول رفيع في الديوان الملكي” لكاتب المقال غولدبيرغ والذي نقلها عبر تويتر، عن أن “الديوان لا يشكك في دقة الاقتباسات الواردة في مقال “ذي أتلانتك”، وإنما يشكك في تأويلات تحليلاتي (أي كاتب المقال) كما ظهرت في الإعلام المحلي والدولي”.

ونقلت الصحف والمواقع كل ما نشرته وكالة الأنباء الرسمية “بترا” من ردود فعل مستهجنة للمقال، مثل قبيلة بني حسن والنائب عبدالهادي المجالي وكتلة المستقبل النيابية، التي وصفوها بـ”المشبوهة والمفبركة والمدفوعة مسبقا لإثارة الفتنة“، وبأنها “جزء من حملة تستهدف الأردن“، والتأكيد على “التفافها حول القيادة الهاشمية الحكيمة وتفويت الفرصة على المتربصين بالأردن ملكاً وشعباً“. كما نقلت عن بترا مقابلة الملك مع وكالة الاسوشيتد برس الأمريكية التي نشرت بعد ثلاثة أيام من نشر مقابلته مع مجلة ذي أتلانتك.

لكن أياً من الصحف اليومية الأربع لم تتطرق لرد فعل جماعة الإخوان المسلمين التي انتقدها الملك في مقاله، والتي أصدرت بيانا “يستهجن ما ورد من توصيفات تتعلق بمكونات المجتمع الأردني أو تخصها في الخطاب المشار إليه”، ويشير إلى أن “التوضيح الصادر عن الديوان الملكي لم يقدم تبريرا أو تفسيرا شافيا أو مقنعا لما ورد في هذا الخطاب”. ونشر البيان كاملاً صحيفة السبيل وعدد من المواقع الإخبارية الالكترونية.

خلافا للصحف اليومية الأربع، نشرت المواقع الإخبارية ترجمات كاملة أو مقتطفات من مقال “ذي أتلانتك” أو من الاقتباسات التي نقلتها صحيفة “نيويورك تايمز”. وظهرت أيضا مواقف المواقع الاخبارية المختلفة من مضمون المقابلة في عملية انتقاء المقتطفات والعناوين المختلفة، وحتى في إساءة نقل أو ترجمة بعض ما جاء على لسان الملك.

موقع عمان نت نشر ترجمة المقال الكامل لصحيفة نيويورك تايمز الذي يلخص مقال مجلة “ذي أتلانتك المطول. وتابع الموقع تصريحات الديوان الملكي وأجرى مقابلة مع كاتب المقال غولدبيرغ، الذي نفى ما جاء في تصريحات “المصدر المطلع” في الديوان الملكي عن أن “المقال قد احتوى تحليلات عكست وجهة نظر الكاتب، ومعلومات نسبها إلى جلالته بشكل غير دقيق وغير أمين”. وتناقلت العديد من المواقع الإخبارية الالكترونية مقابلة عمان نت مع غولدبيرغ.

موقع خبر جو، كما جاء في عنوانه، انفرد “بنشر النص الكامل للمقابلة المطولة للملك في مجلة أتلانتك“، كما انفرد بنقل رد الكاتب غولدبيرغ في صفحته على تويتر.

مواقع إخبارية أخرى اكتفت بنشر مقتطفات من مقال صحيفة نيويورك تايمز ،تحت عناوين مختلفة، مثل “الملك…. دائرة المخابرات هي سبب عدم تقدم الاصلاح واحباط جهودي“، في موقع جفرا ونقل عنه موقع وكالة الناس، “الملك: المخابرات سبب عدم قيامي بالإصلاح.. وزعماء العشائر ديناصورات” في موقع رؤيا نيوز، “الملك :ابني سيقود ديمقراطية على النمط البريطاني في الاردن” في موقع كرمالكم نقلاً عن موقع خبر جو، “الملك لنيويورك تايمز :الملكية ستندثر و ابني سيقود ديمقراطية على النمط البريطاني” في موقعي الحياة نيوز وأخبار الأردن.

صحيفة السبيل، الممثلة للتيار الإسلامي الذي انتقده الملك في المقابلة، كانت الأكثر اهتماما بمقال “ذي أتلانتك”، فنقلت عن موقع خبر جو ترجمة النص الكامل للمقال وعن موقع عمان لقاءه بغولدبيرغ وعن موقع الجزيرة نت تقرير “جدل متواصل بالأردن بعد تصريحات الملك“، كما نقلت ردود الفعل الرسمية كما جاءت من وكالة “بترا”. وكان للصحيفة أيضا متابعات خاصة لردود فعل نشطاء سياسيين يمثلون وجهة نظر واحدة، في تقرير بعنوان “ما نسب للملك من تصريحات يعزز مطالب الحراك بالإصلاح“، بالإضافة إلى تغطية “المسيرة المنددة بالتصريحات المنسوبة إلى الملك في مجلة ذي أتلانتك“. وكذلك غطاها عدد من المواقع الاخبارية الالكترونية.

ولم يخل المشهد الالكتروني من بعض المقالات التي علقت على مضمون مقابلة الملك، مثل مقالة الكاتبة لميس أندوني، التي يبدو أنها لم تتمكن من نشرها في صحيفتها العرب اليوم فنشرتها في موقع جو24 تحت عنوان “زوبعة الديناصورات“. وتقول: ” “أريد أن أتناول بعض الأفكار التي وردت في المقابلة خاصة التي أحدث ضجة منعت الحوار الهادئ والقراءة بطريقة متأنية…”.

وفي مقاله المنشور في صحيفة السبيل وموقع أخبار البلد، بعنوان “تفاصيل لقاء الملك مع ”أتلانتيك” وجدل الشارع“، يقول محمد علاونة أن “ما تحدث به الملك كان واقع حال، وتجاوز السقوف التي ارتفعت أخيرا في الاحتجاجات الأخيرة”.
في المحصلة، كشف تناول الإعلام المحلي لمقابلة مجلة “ذي أتلانتك” مع الملك، هشاشة استقلالية وحيادية الإعلام الأردني، وبخاصة كتاب الرأي الذين التزموا الصمت ولم يعلقوا أو يحللوا ما جاء في لقاء الملك، خلافا للمعتاد في لقاءات مماثلة.