مرصد – حملة إعلامية ضد السوريين: الهدف للخارج والتأثير في الداخل

Zaatari women- alghad

رصد سوسن زايدة

يتزايد الاهتمام الإعلامي باللاجئين السوريين في الأردن بزيادة أعدادهم. ففي الوسيلة الإعلامية الواحدة وفي نفس اليوم، وأحيانا في نفس الصفحة الورقية أو الالكترونية، نقرأ عناوين لأخبار، تقارير ومقالات عن اللاجئين السوريين. لكنه اهتمام لا يحسدون عليه.

كثرت العناوين عن اللاجئين السوريين لكنها تشابهت في تعبيرها عن ضيق من زيادة أعدادهم في الأردن. يومياً، تنشر أخبار رقمية عن أعداد الداخلين للأردن وكلفة كل منهم على ميزانية الدولة، تقارير عن تأثيرهم السلبي على المجتمع والأمن الأردني، مقالات تحذيرية من استمرار تدفقهم ووجودهم في الأردن.

تنشر يومياً أخبار وتقارير متعلقة باللاجئين السوريين، تستند في غالبيتها على تصريحات مسؤولين أردنيين عن أعدادهم وكلفة ومخاطر وجودهم، آخرها تصريحات رئيس الوزراء عبدالله النسور عن أن “مشكلة اللاجئين السوريين في الاردن تقترب من كارثة“، وزير الصحة عبداللطيف وريكات: اللاجئون السوريون يؤثرون سلبا على مكانة المملكة الطبية، وزير العمل نضال القطامين: “تشغيل السوريين يستفز الأردنيين“، ومدير الأمن العام حسين المجالي: “أزمة اللاجئين السوريين كسرت ظهر الأمن“.

وبعيدا عن التصريحات الرسمية، وفي تقارير إخبارية عن مخيم الزعتري، تكررت الإشارة إلى وجود “تقارير محلية” تتحدث عن “انتشار مافيات وعصابات صغيرة تتاجر بالمخدرات والدعارة وتبيع وتشتري الكفالات وتضم خلايا جرمية مختلطة من سوريين وأردنيين حيث تنامت التجارة غير الشرعية على هوامش وجنبات المخيم”.

لكن من يبحث لا يجد مصدر هذه “التقارير المحلية”، باستثناء تقرير واحد لوكالة أسوشيتد برس بعنوان “لاجئات سوريا يلجأن للدعارة في الزعتري”، أعاد نشره العديد من المواقع الالكترونية الإخبارية، مثل سرايا، الوكيل، زاد الأردن، أخبار البلد، المقر، أحكيلك، السوسنة، السياسي، وغيرها، مما أوحى بتغطية كثيفة لقضية كبيرة. لكنها في الحقيقة عناوين مختلفة وصور “تعبيرية” لتقرير واحد يقرب من الشائعة أكثر مما هو تقرير صحفي.

الصورة من موقع كرمالكم

الصورة من موقع كرمالكم

صحيفة السبيل انتقدت تقرير أسوشيتد برس الذي أثار جدلاً واعترضت عليه جبهة العمل الإسلامي، ووصفته بـ”سقطة أسوشيتد برس حول الدعارة المزعومة بالزعتري“. وأعادت مواقع أخرى نشر مقال السبيل. لكن الصحيفة وأي من وسائل الإعلام المحلية الأخرى، لم تأت بتقارير أو معلومات تؤكد أو تنفى ما جاء في تقرير أسوشيتد برس عن “الدعارة في الزعتري”.

وتزامن تقرير وكالة أسوشيتد برس مع تقرير لوكالة يونايتد برس انترناشونال نقل تصريحات عن “مصدر أمني” غير معرف، يقول أن الأمن “ضبط أخيراً كميّات من الحبوب المخدّرة وعدداً من الأسلحة البيضاء داخل المخيّم”، وأن “قوة شرطية ستعمل على تطبيق مفاهيم الشرطة المجتمعية داخل المخيم لمعالجة القضايا الاجتماعية والإنسانية كالعنف الأسري والدعارة إن وجدت”، نشره موقع السوسنة. لكن تقرير الأخيرة الذي يتمتع بقدر أكبر من المهنية لم يحظ بالانتشار وإعادة النشر الذي حظي به تقرير أسوشيتد برس لما فيه من إثارة وتفاصيل عن نساء يمارسن الدعارة.

وزاد موقع جراسا من الإثارة في قضية الدعارة بين السوريات، حين نشر أن “مصادر أمنية نوهت إلى احصائية سرية بينت وجود 178 بيت دعارة حتى الان في مدينة المفرق وذلك جراء التواجد الكثيف للاجئين السورين في المدينة خارج نطاق مخيم الزعتري”، وأن “عشرات من السيدات السوريات يعملن الآن في مجال الدعارة، فيما ألقت  القوات الامنية القبض في أحد أيام شهر  شباط على 11 سيدة، 8 منهن سوريات، بمقهى في إربد لتورطهن كما قيل في ‘سلوكيات عامة غير لائقة’”.
قلة قليلة من التقارير عكست بموضوعية جوانب مختلفة من الحياة في مخيم الزعتري، أبعد من الأرقام والدعارة، كما في تقارير مراسلي موقع جو24 المستمرة عن اللاجئين السوريين، بالصوت والصورة، مثل “تفاصيل مؤلمة حول تجارة البؤس في الزعتري“، “لاجئو الزعتري يروون حكاية الشقاء في مخيم البؤس“، “معاناة اللاجئين في الزعتري تدفعهم لطلب العودة إلى سورية“.

وقلة أيضا أعطت صوتاً للاجئين أنفسهم ليعبروا عن أوضاعهم المعيشية، كما في صفحة “سوريون بيننا” لموقع عمان نت، حيث يكتب التقارير صحفيون سوريون لجأوا للأردن أو صحفيون مواطنون من اللاجئين السوريين. تناولوا موضوعات إنسانية، مثل “غياب الأمن في مخيم الزعتري”، “لاجئون يشتكون من التفاوت الطبقي في الزعتري”، “من المسؤول عن احتراق الأطفال في الزعتري؟”، “الرفاه النفسي والاجتماعي برنامج للأسر السورية والأردنية في المفرق”، “من خيمة لجوء إلى صالون حلاقة”، “أهازيج الثورة السورية لترويج غزل البنات”.

ونشط مؤخرا كتاب الرأي في الصحف اليومية في حملة إعلامية تشكو من ثقل أعباء اللاجئين السوريين على الأردن. ترافقت مع تحضيرات الأردن لزيارة المفوض السامي لشوؤن اللاجئين في الامم المتحدة انطونيو غوتيريس، آملين أن يساعد الأردن في تحصيل بعض الدعم لسد كلفة استقبال اللاجئين السوريين. كما ترافقت الحملة مع دعوات الملك للعالم لتحمل مسؤولياته تجاه اللاجئين، ومع تصريحات رئيس الوزراء عن “مليوني لاجئ سوري” في الأردن و”كارثة مقبلة”، تصريحات دراماتيكية قد تكون تمهيدا “لدور أردني في الأزمة السورية”، مثل “المنطقة العازلة شمالي الأردن وجنوبي سوريا”، أو أنها ببساطة رسائل موجهة للخارج لجمع المساعدات.

وفي كل الأحوال خرج الإعلام عن دوره كمراقب وناقل للأحداث ليقوم بدور تكميلي للحكومات والسياسيين، وبلا جدوى. فما احتمالية أن يقرأ غوتيريس أو أي من الدول المانحة وسفرائها هذا الكم من المقالات والتقارير الصحفية، مقارنة بتأثير الحملة الإعلامية على الجمهور الأردني وعلى مواقفهم من اللاجئين السوريين وما قد يتبعها من تحريض وعنصرية ضدهم؟

ولم تخلو أعمدة الرأي في الصحف والمواقع الالكترونية من أصوات تحرض ضد اللاجئين السوريين، كما حرضت ضد العراقيين والفلسطينيين من قبلهم، مثل مقالات الكاتب في صحيفة العرب اليوم، ناهض حتر، ومنها “كفى لاجئين” ويقول فيها أن “السياسة الرسمية حوّلت الأردن، منذ ما قبل الـ48 إلى بلد لجوء في سياق دينامية سياسية للتغيير المستمر في البنية الديموغرافية للبلاد، تحقق أهدافاً لا علاقة لها بالمصالح الوطنية الأردنية، إنما فاضَ الكيل، وتكاد المملكة أن تنفجر بأثقالها الديموغرافية”. ويطالب بإغلاق الحدود ووقف استقبال التدفقات “فورا”.

الكاتب الاقتصادي في صحيفة الرأي، فهد الفانك، يصنف في سلسلة من مقالاته، اللاجئين في الأردن حسب أوضاعهم الاقتصادية. ويقول في مقاله بعنوان “طوفان سوري منفلت“، أن “العائدين من الكويت عادوا مزودين بخبرات متميزة ورؤوس أموال كبيرة، واللجوء من العراق أعطانا مجموعة من العراقيين الأثرياء الذي جاؤوا بالدولارات في اكياس. أما اللاجئون السوريون فهم مثل اللاجئين الفلسطينيين يأتون بملابسهم”.

ويرد عليه الكاتب الاقتصادي في صحيفة العرب اليوم، يوسف منصور، في مقال بعنوان “ارتفاع استثمارات السوريين“، أن “أرقام مراقب الشركات تبين أن استثمارات السوريين في المملكة ازدادت في العام الماضي 71% عن عام 2011، كما ارتفعت في الشهرين الأولين من هذا العام 197% بالنسبة لذات الفترة في 2012، ما يضع المستثمرين السوريين بالنسبة لحجم الاستثمارات المباشرة في المرتبة الثانية بعد العراقيين”.

وفي الرأي أيضاً، يشبه الكاتب عبدالهادي راجي المجالي، تعداد اللاجئين السوريين بتعداد الجراد في الأردن. ويقول تحت عنوان “جراد“: “للان الدولة لم تقدم إحصاءً حقيقياً لعدد سكان المملكة في ظل وجود كم هائل من اللاجئين السوريين والأشقاء العرب بالمقابل وزارة الزراعة حددت عدد الجراد في المملكة ب(14) واحدة فقط”.

وفي مقال بعنوان “عزيزي اللاجئ…ان لم تحترم الاردن…فلترحل!” تستنكر كاتبته نوف الور “اعتداء بعض اللاجئين السوريين على الأمن والجيش وحتى على المواطن”، وتقول: “من لم يعجبه الحال او يدعو على أردننا الغالي بالوبال، فلنهتف له بالصوت العالي “ارحل ارحل يا نكّار!!…”، وتتابع: “هذا ولم نتحدث لا في الاقتصاد ولا السياسة ولا الصحة ولا عن العادات الاجتماعية الدخيلة على مجتمعنا، فلو فتح الجرح كله سيُغرق الدم الجميع، وهذا ما لا نريد…”. المقال لقي رواجاً بين المواقع الإخبارية الالكترونية ونشرته مواقع جو24، خبرني، صحفي، والبلقا.

وفي حين فقدت صحف ومواقع إخبارية موضوعيتها وجردت اللاجئين السوريين من إنسانيتهم، وحرض كتاب صحفيون ضدهم، وجدت بعض البرامج الإذاعية الصباحية في اللاجئين السوريين “آخرا” جديداً توجه إليه خطاب الكراهية.