مرصد: تضليل إعلامي بالأرقام

Zaatari-Alghad-Abu Ghosh2

رصد سوسن زايدة

بعد أن أزالت تصريحات رئيس الوزراء، خلال جلسة النواب الأربعاء 27/3، قليلاً من التعتيم وتضارب التصريحات الرسمية في ملف اللاجئين السوريين في الأردن، عاد الإعلام ليضلل جمهوره بأرقام مختلطة بمواقف الصحفيين الشخصية تجاه وجود اللاجئين السوريين في الأردن.

فباستثناء تقرير وكالة الأنباء الرسمية “بترا” الذي نقل حرفياً كل ما جاء في الجلسة النيابية على لسان رئيس الوزراء عبدالله النسور واقتباسات من بعض النواب، وتناقلته وسائل الإعلام تحت عناوين مختلفة، لم تتكلف أي وسيلة عناء متابعة أو تحليل معلومات اعترافات الحكومة بمعلومات كانت مبعثرة، وأحياناً متضاربة، في تصريحات هذا المسؤول أو ذاك.

Parliament-Petraوكالة الأنباء الرسمية “بترا“، وغيرها من المواقع التي نقلت عنها في يوم الجلسة (الأربعاء)، التزمت بنص التقرير وعنوانه المحايد “رئيس الوزراء يضع النواب بصورة تداعيات الازمة السورية وأثرها على الاردن”، كما جاء في موقع رئاسة الوزراء. وفي اليوم التالي ظهرت تقارير مشابهة عن كامل تصريحات النسور أو أجزاء منها، وتحت عناوين مختلفة.

العنوان “النسور: مليار دولار كلفة استضافة اللاجئين السوريين” كان الأكثر تفضيلاً وانتشاراً بين الصحف والمواقع الإخبارية، ومنها الصحف اليومية: الرأي، الغد والعرب اليوم، ومواقع إخبارية مثل الحقيقة الدولية، جراءة نيوز، السرو نيوز والبتراء الاخبارية.

لكن مقدمة هذه التقارير، التي يتوقع القارئ أن يجد فيها توضيحاً للعنوان، لا تمت له بصلة. ولفهم دقيق لرقم المليار دولار يجب على القارئ أن يصل إلى الفقرة الثامنة عشر في تقرير طويل يتجاوز 3500 كلمة. وقلة من قراء الانترنت يفعلون ذلك، فالمتوقع أن يكتفي الغالبية بقراءة العنوان والمقدمة، وفي أحسن الأحوال خمس أو ست فقرات إضافية.

لكن التضليل الإعلامي، المقصود أو غير المقصود، لا يتوقف على ترتيب الفقرات، وإنما على عدم دقة العنوان في الأصل. الفقرة التي اجتزأ منها المحرر معلومة “المليار” وانتقاها عنواناً لتقرير زاخر بالمعلومات والأرقام، تقول:

“أوضح (النسور) ان تكلفة استضافة 460 الف لاجئ دخلوا المملكة منذ بدء الازمة، الذين ينتشر حوالي 330 الفا منهم في المدن والقرى الأردنية، تقدر بحوالي 380 مليون دينار، للعام 2013، وسترتفع التكلفة بشكل كبير لتتجاوز مليار دولار في حال تضاعفت اعداد اللاجئين في المملكة كما هو متوقع”. وفي فقرة أخرى يوضح النسور الأساس الذي بنت عليه الحكومة توقعاتها، وهو استمرار دخول الأعداد الحالية من اللاجئين يومياً. ويقول: “إن المملكة تستقبل ما يقارب 2000-3000 لاجئ سوري يوميا…”. ويفصل النسور الكلفة الاجمالية (380 مليون دينار): “الدعم السلعي، البالغ 130 مليون دينار، تليها تكاليف الطاقة (55 مليون دينار)، والصحة (40 مليونا)، والأمن (35 مليونا)، فالتعليم (13 مليونا)، والمياه (15 مليونا)، وغيرها”.

كاتب التقرير أو محرره اختار رقم “المليار دولار” الافتراضي والمتوقع في العنوان وكأنه حقيقة مثبتة، تاركا الرقم الفعلي الحالي (380 مليون دينار أو 537 مليون دولار). كما أنه أغفل عن تدقيق الأرقام ومقارنتها مع الأرقام المعلنة في “خطة الحكومة لاستضافة اللاجئين السوريين” التي قدمها الملك ووزير التخطيط والتعاون الدولي السابق، جعفر حسان، في مؤتمر الكويت للدول المانحة قبل شهر.

ورد في الخطة الحكومية أن كلفة السوريين المباشرة على الخزينة العامة 489 مليون دولار للعام 2013 كاملا، يضاف إليها 500 مليون تتحملها منظمات الأمم المتحدة التي تدير مخيمات اللاجئين، والتي حصلت على هذا المبلغ في مؤتمر الكويت، كما حصل الأردن لاحقا على 400 مليون دولار من أصل 489، من المنحة الأمريكية (200 مليون) والمنحة السعودية (200 مليون) لتغطية الأعباء الإضافية على الخزينة نتيجة استضافة اللاجئين السوريين. ورقم المليار هنا هو مجموع الكلفة لكامل عام 2013 والتي تتقاسمها الخزينة الأردنية ومنظمات الأمم المتحدة وغطتها الدول المانحة مسبقا في الربع الأول من العام.

وفي حين يتداول الإعلام وبعض المسؤولين رقم “المليار دولار” في إطار من التهويل، يضاعف الكاتب الاقتصادي في صحيفة الرأي، فهد الفانك، الرقم في مقاله “2،4 مليار دولار كلفة اللاجئين السوريين سنويا”، استنادا على معادلة يساوي فيها بين استهلاك اللاجئ السوري ومتوسط استهلاك المواطن الأردني، ويحسب الفانك المتوسط بـ”مجموع الاستهلاك الخاص والعام في الأردن” مقسوما على عدد السكان، بمن فيهم من فقراء وأثرياء. والنتيجة 3400 دينار سنوياً، أي قرابة 300 دينار شهريا للفرد الواحد. والسؤال هنا: هل تستهلك عائلة سورية مكونة من خمسة أفراد تعيش في كرافان أو خيمة كما تستهلك عائلة أردنية من خمسة أفراد تعيش تستهلك 1500 دينار شهرياً؟

يزيد تأثير رقم الفانك (2،4 مليار دولار) حين يتبعه، في نفس المقال، وصف الشعب السوري مجتمعاً بأنهم “شعب كامل يلفه الفقر والمرض والتخلف بشكل غير مقبول حتى في أدغال أفريقيا، ويبدو كأن السكان في أرياف جنوب سوريا ما زالوا يعيشون خارج التاريخ كما تركهم الحكم العثماني”. والمؤسف حقا أن المقال نشر في صحيفة الرأي كما في وكالة الأنباء الرسمية “بترا” ومواقع إخبارية مثل أخبار بلدنا، مؤاب، عمان جو والوكيل.

قد تعزا الاختيارات التحريرية في العناوين ونصوص التقارير إلى مهارات الصحفي أو المحرر، أو الخلفيات الفكرية لكل منهم، أو توجهات الصحيفة أو الموقع تجاه القضية، أو جميع هذه العوامل معاً. لكن النتيجة المضللة واحدة والتأثير السلبي على الجمهور واحد: مزيد من التحشيد والعنصرية ضد اللاجئين السوريين في الأردن، وبخاصة إذا ترافقت هذه التقارير مع مقالات دورية لكتاب كبار، تفيض بالعنصرية. وإن كان المستهدف الدول المانحة لمساعدة الأردن في أزمتها الاقتصادية المتفاقمة بزيادة عدد اللاجئين، فالإعلام المحلي ليس الوسيلة المثلى للوصول إليهم.

(صورة مخيم الزعتري في الأعلى بعدسة محمد أبو غوش)